المبشر بن فاتك
354
مختار الحكم ومحاسن الكلم
طبيب نفسك ما دمت قويا صحيحا ولا تنتظر إلى أن تغرق في الجهل فيجئ هو إليك . وقال ( + ) : فكما أنك لا تشفق في البدن أن تقطع منه عضوا قد تخبث « 1 » فإن أشفقت فليس يقال إنك شفيق - كذلك « 2 » في النفس إذا كانت الشهوات قد غلبت عليها أن تؤلمها بتركها ؛ فإنه قد قيل : إن الذي يشفق على سوطه مبغض لابنه ، وإن الذي يحب ابنه يحرص على تأديبه . وقال : كما أن الأمراض التي تعرض في علل النفس للبدن ينبغي أن يعلم الطبيب الأسباب الفاعلة لها والعناية لحسمها - كذلك ينبغي في علل النفس أن يعنى [ 111 ب ] خاصة بقلع أصولها فالأسباب الموجبة لها . فمتى أحسست بأنك قد أخطأت وأردت أن لا تعود أيضا فتخطئ - فانظر ما أصل الذي أحدث لك ذلك فاحتل في قلعه ترح قلبك من العودة إلى ذلك الخطأ . وقال : كما أن جميع الأعراض الخارجة عن الطبيعة التي تظهر من البدن أمراضا في البدن ، وإما أسبابا من خارج - فكذلك « 3 » الكلام الفظّ والأفعال الصعبة التي تظهر من النفس تتبع أمراضا نفسانية وإما سببا من خارج ثابتا في النفس . فليس ينبغي إذا أن تصدق من ظهر منه في وقت من الأوقات كلام فظّ أو فعل صعب إذا عاد في وقت آخر فقال أن ليس في نفسه مكروه . وذلك أنه كما أن الذي به مرض في جسمه إنما يحسبه في وقت نوائبه فقط والطبيب يخسّه مع ذلك في وقت سكونه أيضا - كذلك من كان به ألم نفسانىّ إنما يحسه في وقت حركته فقط ، وطبيب النفس يحسه مع ذلك في وقت سكونه أيضا .
--> ( 1 ) ص : تجنب ! فإن أشفقت - وفي « الكلم الروحانية » : قد وقع السم فيه ( 2 ) كذلك : ناقصة في ل . ( 3 ) ل : وكذلك .